التاريخ يعيد نفسه
موقع أنصار الله || يحى قاسم أبوعواضة
نقدم أحر التعازي لأبناء أمتنا الإسلامية بهذه الفاجعة التي ما كان ينبغي لمثلها أن تحدث في تاريخ أمة دينها الإسلام بل لم يُسمع أنه حدث مثلها حتى في تاريخ الجاهلية وفي العصور المظلمة. فاجعة كربلاء كان ضحيتها وللأسف فلذة كبد المصطفى محمد ( صلوات الله عليه وعلى آله) نبي هذه الأمة من كان قرة عين النبي وسماه وأخاه سيدا شباب أهل الجنة ..
وقعت هذه الفاجعة بأسرة من كان يعز عليه أن يلحق بهذه الأمة أي عنت أو تعب من كان حريصاً كل الحرص على هداية هذه الأمة وإنقاذها من النار وكاد أن يهلك نفسه من أجلها فكان جزاؤه منهم أن يذبحوا أبناءه وأهل بيته على أرض كربلاء كما تذبح الخراف وأن تحمل نساؤه من بلد إلى بلد مكبلات بالحديد على مرأى ومسمع من القاصي والداني .
جريمة كربلاء هي في الواقع ليست وليدة يومها ولم تكن مجرد صدفة وإنما كانت نتيجة لانحراف سابق هي دليل على انحراف خطير حدث في مسيرة هذه الأمة, انحراف في ثقافة هذه الأمة، انحراف في تقديم الدين الإسلامي لهذه الأمة من اليوم الأول الذي فارق فيه الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) هذه الأمة للقاء ربه حتى وصلت الساحة الإسلامية مؤخراً مع مرورالوقت وسيطرت الضلال وتداعياته إلى ساحة لا تقبل بعلي ولا بالحسن ولا بالحسين ولا بأمثالهم بل تقتل هؤلاء العظماء وهذا ما حدث طوال تاريخها ثم تقبل أن يكون معاوية ويزيد وأسوء منهم خلفاء عليها وأن يحكمها أمثال عبيد الله بن زياد ومروان بن الحكم وأضرابهم إلى يومنا هذا .
لقد تحول ذلك المجتمع إلى مجتمع يناصر الباطل ويقف في صف الباطل .. غياب للحق وحضور للباطل والفساد بكل ألوانه وأشكاله.
فكيف تتصور وضع أمة يحكمها الطواغيت والمجرمون الذين لا هم لهم إلا إشباع رغباتهم ونزواتهم من يحملون حقدا كبيرا على هذه الأمة ويعملون على الإنتقام منها وإذلالها كيف تتصور مصير أمة فرطت وقصرت فوصل وضعها إلى أن يحكمها مجرمون لا دين لهم ولا كرامة ولا يحسبون أي حساب للقيم والمبادئ من وصلوا إلى التحكم في مصيرها وقهرها كعقوبة لها على تقصيرها!.
لقد تحول كل شيء في سبيل خدمة هؤلاء الظلمة والمفسدون فمنابر المساجد تحولت إلى أبواق دعاية لتمجيدهم وتلميعهم وتحسين صورهم القبيحة في أعين العامة والدين تحول من خلال علماء السوء إلى وسيلة قذرة لتشريع الظلم والفساد وتبرير كل ما يعمله الحاكم الظالم وتدجين الشعب المسلم لهذا الظالم تحول إلى دين يبرئ للمجرمين والمفسدين جرائمهم وفسادهم ويجعل الله مصدر كل قبيح ويقدم بما يجعله سبحانه وتعالى أسوء من الشيطان.
وتحول بيت مال المسلمين إلى خزينة بيد السلطان يوزعها كيفما أراد ويستخدمها في سبيل تحقيق لهوه ومجونه ويشتري بها الضمائر الرخيصة بينما الشعب يئن تحت وطأة الجوع والفقر والظلم .مجاهرة بالمعصية والفسق والفجور والرذيلة بدءاً من رأس الهرم الذي كان لا يتورع عن ارتكاب أي محرم أو إثم .
وصاحب الحظ الأوفر والحظوة والقرب هو من يكون على شاكلتهم ومن هو على استعداد أن ينفذ لهم رغباتهم ويحقق لهم مآربهم أما من يستنكر أو يغضب فلن يكون مصيره بأقل من التصفية الجسدية أو أن يعيش ما تبقى من عمره في غياهب السجون ؛ وهكذا وجدت الأمة المقصرة والمتخاذلة والمفرطة نفسها محكومة من مجموعة من فسقة بني أمية تربوا على الفسق والفجور منذ نعومة أظفارهم فاتخذوا مال
الله دولا وعباده خولا ودينه دغلا كما ذكر ذلك الإمام الحسين عنهم.
فالمال العام غنيمة لهم يتداولونه ويتقاسمونه فيما بينهم وأبناء الأمة مجرد عبيد عليهم السمع والطاعة حتى وإن قصموا ظهورهم ونهبوا مالهم والدين عبارة عن وسيلة لتلميعهم وتحسين صورهم وتبرير جرائمهم وظلمهم وفسادهم وتطويع المجتمع وتدجينه لهم .
في أوضاع كهذه ما هو الدور الذي يرتبط بشخصية كالإمام الحسين وهو ابن القرآن وربيب الوحي ومن أهل بيت النبوة ... الإمام الحسين حفيد النبي وابن القرآن كان يمثل في عصره الحق بكل معانيه كان يمثل القيم التي جاء بها جده المصطفى فلم يستجز أن يقف مكتوف الأيدي أمام الظلم والإنحراف والفساد الذي كان يمثله يزيد ولذلك أعلن الخروج لتغيير هذا الواقع المظلم شأنه في ذلك شأن الأنبياء وأعلام الهدى الذين يعرفون جيداً معنى قول الله سبحانه وتعالى: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}.
أعلن الإمام الحسين ما عزم عليه من الخروج والجهاد وأطلق صرخته المدوية مستنهضا أمة جده للجهاد في سبيل الله ورفع الظلم عن كاهلها مشخصا وملخصا الوضع القائم ومقدما واجبات المؤمن في حالة كهذه: ( ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا شقاء وبرما) لقد وصل الأمر أن يصير يزيد بن معاوية جليس الكلاب والقرود وابن المجون والفسق والفجور خليفة للمسلمين يقدم كخليفة لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) بل وصلت الوقاحة بيزيد أن يطلب البيعة له من ابن رسول الله عنوة بعد أن أرسل على واليه على المدينة بأن يدعو الإمام الحسين إلى مجلسه ويطلب منه البيعة فإن أبى البيعة فليضرب عنقه.. مما دفع بالإمام الحسين أن يعلن موقفه أمام أمير المدينة بقوله: إعلم أيها الأمير أنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة بنا فتح الله وبنا يختم ويزيد شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة مرتكب للفسق والفجور ومثلي لا يبايع مثله ثم خرج من مجلسه ليعد نفسه للخروج والثورة.
كان المجتمع في حالة رهيبة من الذل والهوان كعقوبة لتفريطه السابق مع الإمام علي ومع الإمام الحسن وفوق هذا يسيطر عليه اليأس والإحباط والخوف والضياع مما ضاعف المسئولية التي سينهض بها الإمام الحسين والمتاعب التي سيواجهها ولكن الوضع يفرض عليه القيام بهذا العمل مهما كانت التضحيات ومهما كانت النتائج وأعلن عزمه على مواجهة الظلم وتغيير الفساد ومحاربة الطغيان ودعى أمة جده بأن تنهض بمسئوليتها وأن تقف معه لتتحرر من العبودية لغير الله ؛ وانقسم الناس في عصره إلى ثلاثة أقسام: قسم تحرك لمواجهة الإمام الحسين بدافع الحقد والكراهية أو بدافع الرغبة أو الرهبة, أو وقع ضحية للتضليل الإعلامي الذي كانت يقوم به أبواق السلطة من خلال علماء السوء من يعيشون على فتات موائد السلاطين ويسخرون أقلامهم وألسنتهم وفتاويهم لما فيه خدمة السلاطين والظلمة والطواغيت.
وقسم آثر السكوت والإستكانة للظلم نتيجة للخوف وعدم الثقة بالله واكتفى بمراقبة ما سيحدث واستبسل في صنع المبررات الواهية لنفسه وقسم كان يعيش حالة اللامبالاة واللاإهتمام منذ أن كانوا يسمعون التوجيهات تقدم إليهم من فم الإمام علي ومن فم الإمام الحسن ومن فم الإمام الحسين فكانوا هم ضحية للبدائل المغلوطة التي أقعدتهم وأضعفت نفسياتهم غير مدركين للخسارة الكبيرة التي يمكن أن تقع فيما لو خسرت الأمة شخصية كمثل الإمام الحسين وكلا هذين القسمين حركهم الباطل أخيراً لمواجهة الإمام الحسين رغبة أو رهبة.
القسم الثالث تحرك مستشعراً لمسئوليته وهم القلة القليلة تساقطوا الواحد تلو الآخر بين يدي الإمام الحسين بعد أن قدموا على أرض كربلاء أروع الملاحم البطولية ملاحم ستبقى خالدة على مر التاريخ وتعاقب الأجيال وهكذا حصل ما حصل وغربت شمس العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة على أبشع مجزرة ترتكب في تاريخ الإنسانية وخسرت الأمة تلك الخسارة الكبيرة وجنت على نفسها أعظم جناية وبالذات من كانوا محسوبين على شيعة الإمام علي (عليه السلام ) حيث ذاقوا وبال أمرهم ذلاً وخزيا وهواناً .
لقد كان من أعظم ما ضربت به الأمة من بعد وفاة النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) وفي عهد الإمام علي هو التفريط ـ كما يقول السيد حسين ـ ذلك التفريط هو الذي جعل أهل العراق قبل أهل الشام يصلون إلى كربلاء فيحاصرون الحسين(عليه السلام ) وأهل بيته، وجعلهم قبل أهل الشام يوجهون النبال إلى صدره، وهم من عاش بينهم علي (عليه السلام) سنين يحدثهم ويعظهم ويرشدهم؛ لماذا ؟ ما الذي أوصلهم إلى هذا الحد؟. هم فرطوا, وعندما يفرط الإنسان فيما يسمع ستأتي البدائل المغلوطة إذاً كربلاء ليست نتيجة عمل طرف واحد فقط, المجرمون من جهة, المضلون من جهة يجنون ، والمفرِّطون والمقصرون والمتوانون واللائباليون هم أيضاً يجنون من طرف آخر. فالجريمة مشتركة, الجريمة مشتركة من أول يوم حصل الإنحراف بمسيرة هذه الأمة عن هدي القرآن، وهدي رسول الله (صلوات الله
عليه وعلى آله)، وكيف يمكن أن يسمع الناس منطق الحق ثم نراهم في يوم من الأيام يقفون في وجه الحق، في صف الباطل، هذا هو الذي حصل بالنسبة لأهل العراق.
وماذا بعد كربلاء بالنسبة لنا نحن من نعيش في هذا العصر المليء بالعشرات من أمثال يزيد ومن ورائهم اليهود والنصارى؟ والوضعية في هذه المرحلة ليست فقط أن الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه وإنما يقدم الباطل حقاً والحق باطلاً مرحلة قدم فيها القرآن لبني إسرائيل يعملون به ما يشاؤون ويعمل زعماء هذه الأمة على تقديم شعوبهم وأمتهم ليكونوا عبيداً لأمريكا وإسرائيل مرحلة يتحرك فيها اليهود لإضلال الأمة وبطريقة رسمية مستخدمين شتى الوسائل لتحقيق مآربهم.
يقول السيد حسين: إن الحديث عن كربلاء هو حديث عن الحق والباطل، حديث عن النور والظلام، حديث عن الشر والخير، حديث عن السمو في أمثلته العليا، وعن الإنحطاط, إنه حديث عن ما يمكن أن تعتبره خيراً, وما يمكن أن تعتبره شراً، ولذا يقول البعض: إن حادثة كربلاء, إن ثورة الحسين (عليه السلام) حدث تستطيع أن تربطه بأي حدث في هذه الدنيا، تستطيع أن تستلهم منه العبر والدروس أمام أيٍّ من المتغيرات والأحداث في هذه الدنيا؛ لذا كان مدرسة, كان مدرسةً مليئة بالعبر, مليئةً بالدروس لمن يعتبرون, لمن يفقهون, لمن يعلمون .
وهكذا التاريخ يعيد نفسه فأمام وضع كهذا لا بد من حسين العصر يصرخ في أمة جده ويعمل على إحيائها من جديد وهذا ما كان بالفعل حيث تحرك السيد حسين بدر الدين الحوثي بمشروعه القرآني من أجل إنقاذ أمة جده بل وإنقاذ البشرية كلها وتحرك السيد في هذه المرحلة هو نفس تحرك جده الإمام الحسين بن علي وامتداد له بل إن هذه الوضعية هي أشد خطورة وأكثر تضليلاً من تلك الوضعية التي كانت سائدة. يقول السيد حسين: إذا ما فهمنا أن حادثة كربلاء هي نَتاج لذلك الإنحراف، حينئذٍ يمكننا أن نفهم أن تلك القضية هي محط دروس وعبر كثيرة لنا نحن, من نعيش في هذا العصر المليء بالعشرات من أمثال يزيد وأسوء من يزيد.
ولذلك تجد المواقف نفسها من التحرك القرآني الذي تحرك به الإمام الحسين وتجد الأصناف التي واجهت الإمام نفسها من علماء السوء واللائباليون والمرتزقة والحاقدون والمحبطون وتجد المبررات نفسها.
كذلك أيضا ما يتعلق بجريمة التقصير في هذه المرحلة ستكون مضاعفة ونتائجها سيئة للغاية ولذلك يقول السيد حسين : أوليس القرآن الكريم حياً بين أظهرنا؟ أولسنا نقرؤه؟ أولسنا نحاول أن نعرض الأحداث على القرآن الكريم لنستلهم من خلال القرآن ما هو الموقف المطلوب منا؟ بل لنحصل من خلال القرآن على وعي وبصيرة نفهم من خلالها ما يدور حولنا؟ فمن يُعرض، من يُفرط، من لا يهتم ، من لا يبالي إنه يعيش نفسية من يلومهم قبل ألف سنة وأكثر من ألف سنة .. نحن ـ أعتقد ـ إذا لم ننطلق في مواجهة الباطل في هذا الزمن فإننا من سنرى أنفسنا نساق جنوداً لأمريكا في ميادين الباطل في مواجهة الحق.
هذا الحدث نفسه إذا لم تكن أنت، وأنت في هذا العصر من يفهم الأمور ـ وأمامك هذا الرصيد ـ فإنك أسوء ممن خرج يقاتل الحسين ، أنت أسوء ممن خرج يقاتل الحسين . وإذا كان أولئك لتفريطهم هيئوا الساحة لأن يتولى يزيد فأنت هنا لتفريطك ستهيئ الساحة لأن يحكمها [بوش]، ولتحكمها إسرائيل، فيحكمها اليهود، أوليس اليهود أسوء من يزيد؟ إن من يهيئ الساحة لتحكمها أمريكا، من يهيئ الساحة لتحكمها إسرائيل، من يهيئ الساحة لتحكمها ثقافة الملعونين من اليهود والنصارى بدل ثقافة القرآن هم أسوء ممن شهروا سيوفهم في وجه الحسين .
إن الطريق التي سلكها الإمام الحسين في عصره وسلكها حفيده السيد حسين في هذا العصر هي طريق العزة والحرية لأمتنا الحرية والعزة في الدنيا والسعادة والكرامة في الآخرة وعليك أن تحدد موقفك أمام هذه المسيرة إما أن تكون ممن وقف في وجه الحسين وبالتالي في وجه الحق أو تكون من أولئك المتخاذلين اللائباليين اليائسين المتخلين عن مسئوليتهم فتكون من يتحرك أخيرا رغما عنك ليس في أن تهيئ الساحة للظلمة والطواغيت أمثال يزيد وإنما تهيئها ليحكمها اليهود والنصارى وتسود فيها ثقافة الملعونين من إخوان القردة والخنازير وإما أن تختار طريق الشرف والإباء طريق العزة والكرامة طريق الرجال الأباة الذين شعارهم هو شعار قدوتهم الإمام الحسين في كربلاء ( هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت ونفوس أبية أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ).
التعليقات (0)
إظهار/إخفاء التعليقات
أضف تعليق
| < السابق | التالي > |
|---|


