أمة محمد .. بين صدق الولاء وزيف الادّعاء
موقع أنصار الله || عماد الشامي
طالما ظلّت مكّة منتظرة ليوم ولادته ، ومترّقبة اليوم الذي تضعه أمَّة آمنة وكأنّ مكة كان قد تناهى إلى مسامعها شيئًا من حديث القوم عن ميلاد نبيٍ خاتم وكريم...
وهاهي أمّه تضعه في الثاني عشر من ربيع ولعلّها لم تكن تعلم أنّه هو ... المولود الذي سيتربّع على عروش قلوب الناس، وأنه هو من سيتقدّمُ ذكره بعد ذكر الله.
محمد... الحديث عنه في ذكرى ولادته الميمون يتجاوز حدود الزمان تمامًا كما تجاوزت رسالته حدود المكان الذي ولد فيه، فإحياء ذكرى ولادته لا يقتصر على ذكر تفاصيل ولادته بل يجب أن يكون إحياء هذه المناسبة فيه فعلاً ما يحيي النفوس عن طريق إحياء القيم ولا أخلاق التي جاء بها محمد، والتمثل بسلوك محمد في معاملتنا ، والإقتداء به في كل صغيرة وكبيرة من أمور حياتنا ، ذلك أن في محمد ، وفي حياة محمد، وفي مواقف محمد، فعلاً ما يجعلنا نتأثر به وبالتالي نترجم هذا التأثر إلى واقع عملي يعيشه كل فرد من أمّة محمد؛ لكن السؤال هو: هل أعطت أمة محمد محمدً ما يستحق من التبجيل والتقدير والتمجيد ...؟؟
في تاريخ بعض الشعوب نجد أنها عظمت بل وأسرفت في تعظيم وتمجيد قادتها ورموزها وهذا التمجيد يستند في دوافعه إلى مستندات فخرية ، تشريفية جوفاء ـ إن صح التعبيرـ فقد لا نجد في كثير من الحالات التي تربط الشعوب بقادتها ، قد لا نجد فعلاً ما يدعو الشعوب لأن تنشد وتتعلّق بالقادة ، ومع ذلك تحتفلُ بهم الشعوب وتحتفي لمتطلبات قومية أو وطنية أو حضارية .. وإلا فقادتهم كانوا لا يخدمون الشعوب بقدر ما كانوا يخدمون نفوسهم ومصالحهم ومصالح فئة قليلة من أعيان المجتمع وكبار الناس، ومحمد رسول الله في هذا الجانب ـ وللأسف ـ فإننا لا نجد أن محمد قد أعُطي حقه من التقدير والتبجيل والتمجيد ، وأمته لا تحتفي به بالشكل المطلوب والذي هو واجب أخلاقي بالأساس كردٍ للجميل الذي قدّمه محمد لأمته.
حالة من الركود واللامبالاة والنسيان لحق محمد إن لم يكن التناسي المتعمّد لشخصية الكريم (صلوات الله عليه وعلى آله) حتى كادت مناهجنا الدراسية ، وكتبنا الدينية ووسائل إعلامنا ، ومنابر خطبنا ، كادت تخلو من ذكر محمد إلا في حدود ما يخدم مصالح السلطان أو ما يؤيد إدعاءات أرباب المذاهب ، أو يتفق مع أهواء الكُتّاب والمؤِّرخين حتى أضحى محمد مجّرد اسم تبدأ خطب القوم بالصلاة عليه وتنتهي بها ولو لا وجوبها الغير قابل للتزييف لتركوها ،شخص يستشهدون بمواقفه ليبرَّرون مواقفهم الغير منسجمة مع ما جاء به محمد ، ويستدلون بسنته ليُلبسوا الباطل ثوب الحق ويشيدون متى ما داهنوا سلطان جائر أو جاوروا يهوديًا كافر ، أو حتى لتبرير مخالفة صحابي وصاروا ينقصون من شخصه ليتمّوا شخص فلان أو فلان ، وترى كتبهم تستصغر موقف عظيم للنبي محمد من أجل إقرار بدعة حسنة أخترعها فلان..!
أراد الله ليتم مكارم أخلاق العرب ، يقر مكرمة ويرفع مظلمة، ويدفع ضيم ، لكنهم أرادوا ما درّت معايشهم لهم وما استقرت مصالحهم.متى ما انسجم محمد مع أهوائهم وتوافق مع رغباتهم فهو نبيهم وإلا فلا صلة لهم به ولا ذكر له على ألسنتهم .
لا أقول هذا تهكّمًا في القوم ولا تهجمًا عليهم ، ولكن لحزنٍ يحز في النفس وقذى يبقى في العين ، ما بقي محمد مهّمشًا في كتب التاريخ والسّير، وكأن محمد صغير في نفوسهم فصغر في كتبهم وشحّت بذكره أقلامهم، وللقارئ أن لا يصدَق ما أقول حتى يُرجع البصر في كتب التاريخ والسَير كرّات عدة، ولن يعود إليه إلا متحسرًا ومتأسفاً من أمة أعزها الله بمحمد فأبت إلا من دون محمد ، وفضلها بخاتم الأنبياء وأفضلهم فاستحبوا العمى على الهدى واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير ، ليخلُص القارئ.
عن ذكر محمد في كتب التاريخ لا يعدو رغبة طالبة ، ولا يجذب فكره قارئه حتى كأن محمد لم يكفه ما قد لا قى من جهل القوم لقدره وعنتهم عليه وكأن الله لم يطلب منهم أن يعزره ويوقروه ، حتى جاءت أقلام المؤرخين ليُذهبوا نفوس القائمين مقام محمد والمتّبعين حقًا لمحمد حسرات، وقد كادت نفس محمد قبلهم أن تذهب حسرات ، يقولون بلسان حالهم وأن لم يقولوا بلسان مقالهم .. (قد قبلنا بمحمد في حياته على مضضٍ أما وقد مات محمد فالأمر لنا يا بني هاشم ) وقد صرّح بها فعلاً يومًا كبيرهم في السقيفة قائلاً:
والله ما يكون لكم الملك والنبوة يا بني هاشم.. إنّه أذى بدأ في حياة الرسول (صلوات الله عليه واله) ولم ينتهي عند وفاته ، ، بل استمر لينال أهل بيته من بعده، وهكذا نفهم معنى حديث الرسول (صلوات الله عليه واله) :( ما أُوذي نبي مثل ما أُوذيت) أذى صاغته أيدي المؤرّخين بأقلامهم المأجورة ، والممدودة بمدادٍ يهودي خبيث.
التعليقات (0)
إظهار/إخفاء التعليقات
أضف تعليق
| < السابق | التالي > |
|---|


