آراء و دراسات

article thumbnailأهمية الموقع الإستراتيجي لليمن والمطامع الأمريكية
14/05/2012

موقع أنصار الله || فاضل الشرقي

الكثير من اليمنين لا يدرك أهمية الموقع الإستراتيجي الهام لليمن وبالتالي يستغرب  [ ... ]


article thumbnailأمريكا ولغز تنظيم القاعدة في جنوب اليمن
18/04/2012

موقع أنصار الله || أمين اليافعي
في حديثٍ أجري مؤخراً مع إحدى الصحف العربية التي تصدر من لندن، قال السفير الأمري [ ... ]


إقرا كذلك


يوم الولاية والإعداد النبوي ومفهوم السلطة في الإسلام

موقع أنصار الله || خاص

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (سلام الله عليه) هو بحق يمثل أعظم رجل عرفه التاريخ بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) إيمانا وتقوى وشجاعة وعدلا وعلما وحلما وتواضعا وزهدا وتضحية وحرصا على رسالة الله.

هذه المؤهلات الفريدة جعلته بحق وجدارة أفضل خريجي مدرسة النبوة عايش آلامها وآمالها وضحى من أجلها فصار ممن ينظر إلى عظمة الإسلام من خلال شخصيته العلمية والعملية وخير من يجسد سيرة النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) تجسيدا في الوعي والمنطق والسلوك.
الإعداد النبوي

ليست الصدف هي التي لعبت دورها في مجال نشأة الإمام علي (عليه السلام) وتأهيله, ولا الحظ هو الذي خط طريق كمالات هذا الإنسان, بل هناك يد خفية هي يد الله وعنايته بهذا الإنسان الذي سوف يكون الإمتداد الطبيعي للسنة الإلهية حينما تكمل مسيرة الرسالة المحمدية في الدنيا وتنقضي أيامها ويرحل مبلغها إلى الرفيق الأعلى.

ولأن هذا الإنسان يحتاج إلى إعداد خاص فقد تم تأهيله في مدرسة خاصة على يد أمهر الأساتذة وأكملهم فكان الإسلام مدرسة علي وكان رسول الله محمد ( صلوات الله عليه وعلى آله ) معلمه ومربيه, فتح عينيه للنور, رأى نور رسول الله محمد, ومنذ عرف الكمال عرفه في رسول الله محمد وتعاليمه السامية.

لقد كتب الله لهذا الطفل أن ينتقل إلى بيت رسول الله محمد وهو ما يزال في الرابعة من عمره وآخاه النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) وقام بتربيته وإعداده لمستقبل الأيام .  

هكذا أراد الله أن ينضم علي إلى أسرة رسول الله فيكون تحت رعايته ويعيش في حجره يتنسم عطر النبوة, ويشم عرف الرسالة, ويتبعه في كل أفعاله وأعماله وخصائصه ومميزاته حتى أضحى ظل النبي الذي لا يفارقه وربيبه الذي لا ينفك عنه.ورثه في جميع خصاله النفسية والدينية .

لقد كان علي يرى في رسول الله المثل الكامل الذي يشبع تطلعاته وعبقرياته فجاء صورة طبق الأصل لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) أراده النبي شجاعاً فجاء أشجع الناس وأراده سخيا فكان أسخاهم وأراده زاهدا فكان أزهد الناس وأراده عالما فأتى باب مدينة علمه وأراده رحيما بالأمة فلم يغفل عن الإهتمام بأمر المستضعفين حتى وهو في أثناء صلاته.. وأراده.. وأراده ... فكان كما أراد .  

هكذا صنع رسول الله ( صلوات الله عليه وعلى آله) علياً كما أراد وأحب وكم للمعلم من أثر في نفس تلميذه فكيف بمن يعيش مع أستاذه طفولته ومهد صباه لا بد بأن يحمل معطيات كل أستاذه في كبره فيحمل التربية النفسية لأستاذه وتربيته. وهكذا حمل علي كل صفات رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله).

لقد كان لتربية الإمام علي (عليه السلام) على يد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) عظيم الأثر في حياة الإمام إذ جاء كما أراد الله وأحب فقد زرع النبي الإيمان في نفس علي قطرة قطرة منذ طفولته حتى أصبح الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به رسوله هو كل شيء في حياته فلا يتحرك إلا من هذا الإيمان فجميع تصرفاته خاضعة لميزان واحد هو رضى الله والحفاظ على هذا الدين وقد كان المنطلق لجميع تصرفاته هو هذا الإيمان القوي الذي بلغ منه مرتبة لا يصل إليها احد من الناس حتى أفصح عن ذلك بقوله: (لو كشف الغطاء لي ما ازددت يقينا).  

علي ملتقى الكمالات

لنا في حياة أعلام وعظماء أهل البيت ( عليهم السلام ) معين لا ينضب من الخبرة والعبرة والإيمان والأمل فهم القمم التي نتطلع بشوق إليها ولهفة والمنارات التي تكشف الدياجير من أمام  أرجلنا وأبصارنا وهم الذين يجددون ثقتنا بأنفسنا وبالحياة وأهدافها البعيدة السعيدة.

ولن نستسلم يوماً للقنوط ما دمنا متمسكين بهم فالنصر لنا بشهادة الذين انتصروا منا والإمام علي بن أبي طالب على رأس هؤلاء العظماء الذين نستشعر بأنهم معنا في كل حين وإن قامت بيننا وبينهم مسافات بعيدة من الزمان والمكان فلا الزمان بقادر أن يخنق أصواتهم في آذاننا ولا المكان بماح صورهم من أذهاننا.

الإمام علي ( صلوات الله عليه ) كان واحداً من عظماء البشرية أنجبته أرض عربية ولكنها ما استأثرت به, وفجر ينابيع مواهبه الإسلام ولكنه ما كان للإسلام وحده .. لقد تغنى بهذه الشخصية وتصدى للدراسة والتحليل لها الكثير حتى من غير المسلمين وتغنى الشعراء بمفاتنها ومآثرها قديما وحديثاً .  

فهو أمة قائمة بعينها ملتقى للكمالات وخير تجسيد للصفات التي حملها الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) في شخصيته ففي أي الميادين جئت تتحدث عنه وجدته أروع إنسان بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) فهو البطل الذي حمل السيف بيمناه يدفع به عن رسالة الله ووحي السماء, فكم جلى من كرب عن وجه رسول الله, وكم دفع من أذى المشركين والمنافقين عنه! ومواقفه العظيمة تنطق وتعرب عن شجاعته وبطولته وشدة شكيمته, إنه الفارس الذي لم ينهزم في واقعة ولا عثر في موضع بل كان النصر حليفه دائما وأعلام الفتح تخفق بين يديه.

وإذا جئت تتحدث عنه في ميادين العلم والمعرفة فسوف تأخذك أفكار نهجه وما يتضمن من بلاغة وفصاحة إلى القول إنه أفصح الناس بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) وأعلمهم بل جاء, باب مدينة علم الرسول, وعيبة علمه, ألقت له الشريعة مقاليدها فأعطت على يديه الخيرات والبركات.

وإذا جـئت تتحدث عن كرمه فهو سيد الكرام, وإمام الأسخياء جاد بنفسه في سبيل الله فأنزل الله فيه:‭‬وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ‭‬(البقرة207) وقدم طعامه وهو بأمس الحاجة إليه فأنزل الله فيه:‭‬وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً‭‬(الإنسان8). وإذا جئت إلى زهده فإنك تقرأه أزهد الناس وأشدهم نسكا, وإذا جئت تتحدث عن عدله فهو الإمام الذي إن قال فصل وإن حكم عدل تولى الخلافة فأعاد الحق إلى نصابه رد المظالم إلى أصحابها وقسم بالسوية وعدل في الرعية.  وقد كان هذا العدل من أهم الأمور التي لم تتحملها الفئة المترفة.. وهكذا لو تأتي إلى بقية صفاته ستجد أنه بالفعل أمة قائمة بعينها لها ملامحها وصفاتها المميزة.

صفات تمتع بها الإمام علي ( عليها السلام) أشاد الله سبحانه وتعالى بها في كتابه العزيز وخلدها وأكدها النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) على لسانه في أكثر من موطن وهي صفات عظيمة لم تكن أوسمة ليس لها واقع وإنما كانت صفات وفضائل تحكي مواقف منسجمة مع هذه الفضائل مواقف تستحق أن تخلد وتكتب على صفحات كتاب الله العزيز وينطق بها أعظم الأنبياء وخاتمهم.

علي الشاهد لعظمة رسول الله  ودينه

الإمام علي (عليه السلام)  بمؤهلاته وكمالاته وبأعماله ومواصفاته العالية كان على هذا النحو الذي أصبح فيه فعلاً شاهداً لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)؛ لأنه في علي (عليه السلام)  نزل قوله تعالى: ‭‬أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ‭‬(هود: من الآية17).

الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) كان يتحرك على بينة من ربه، وعلي (عليه السلام)  كان هو الشاهد لرسول الله، هو الشاهد من نفس رسول الله؛ لذا قال عنه (صلوات الله عليه وعلى آله) في مقام آخر: ((أنت مني وأنا منك)) ((علي مني وأنا من علي))، وجاء القرآن الكريم ليؤكد ذلك بقوله: ‭‬فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ‭‬(آل عمران: من الآية61) فجاء بنفسه ونفس علي بعبارة واحدة ‭‬أنفسنا‭‬.
ما هي شهادة علي للرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)؟ إنها شهادة على مدى سنين، شهادة أداها في مواقفه، شهادة أدّاها في حياته كلها، أنت تريد أن تعرف عظمة هذا الإسلام، إذا كان هناك أي نظرية - كما يقولون - لا يمكن أن تعرف عظمتها إلا عندما ترى ما تصنعه، ما تقدمه من أثرٍ، ترى نماذج ممن يحملون أفكار تلك النظرية، ثقافة تلك النظرية، توجُّهات تلك النظرية، فتراهم كيف هم، هنا تحكم على تلك النظرية عندما كانوا يجسدونها بنسبة مائة في المائة.

لقد عَدّ كثير من الكُتّاب ومن العلماء قالوا عن علي أنه كان معجزة للرسول من هذا الاتجاه.. لأنه ما يُدرينا أن هذا الدين عظيم في واقعه؟ هو دين يخاطبنا، دين يتحدث مع أنفسنا، مع وُجداننا، دين لـه رؤيته في تقديم نموذج للإنسان يريد أن يقدمه، كيف ذلك النموذج الذي سيقدمه الإسلام فعلاً لمن يسير عليه؟ ارجع إلى علي وستعرف ذلك النموذج، الذي لم يبهر فقط المسلمين، بل بهر أيضاً المسيحيين فكتب عنه كُتّاب مسيحيون أُعجِبوا بعظمته، أُعجبوا بمصداقيته، اعتبروه عبقرياً، عظيماً، اعتبروه مثلاً أعلى حتى من غير المسلمين.

عندما ترجع إلى علي (عليه السلام)  في رؤيته، في مواقفه، في ممارساته، في سلوكياته تجده فعلاً نموذجاً للشخصية العظيمة التي يمكن أن يصنعها هذا الدين الذي جاء به محمد (صلوات الله عليه وعلى آله)، فهو شاهد لهذا الدين: أنه دين كامل، من إله كامل، اصطفى لتبليغه رسولاً كاملاً، هو الله سبحانه وتعالى الذي قال: ‭‬الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً‭‬ (المائدة: من الآية3).

دين كامل، رسول الله, الله اصطفاه وأكمله، هو من قدم هذا الدين كرسول له. نريد أن نرى في الساحة نموذجاً صادقاً يشهد لعظمة هذا الدين؟ ارجع إلى علي ‭‬وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ‭‬ في مواقف علي عندما ترجع إليها تجد عظمة الإسلام، تجد أخلاق الإسلام متجسدة، وهذه لها أثرها في النفوس،كل شيء سيبقى نظرية،كل شيء سيبقى خاضعاً للاحتمالات إذا لم يكن هناك على صعيد الواقع ما يشهد لصحته، ‭‬سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ‭‬ (فصلت: من الآية53).

عندما تأتي إلى رؤية علي (عليه السلام)  تجد فيه شاهداً، رؤيته للحياة، رؤيته للإنسان؛ لذا جمع في نهج البلاغة ما قال عنه الكثير: [بأن علياً (عليه السلام)  برز عالماً فيلسوفاً بل قدوة في كل هذه الاتجاهات فبرز كعالم اجتماع، عالم اقتصاد، عالم نفس، مرشد، معلم في كل الاتجاهات، برز ذلك الشخص عظيماً يقدم رؤية حقيقية وواقعية للحياة].

مفهوم السلطة في الإسلام  

السلطة في الإسلام هي أرقى بكثير مما عليه واقع البشر، أرقى بكثير في مهام من يلي أمر الأمة.. تجد أنه عندما تتأمل ولاية الله سبحانه وتعالى لشئون عباده فولاية من يلي أمر الأمة هي امتداد لولاية الله، يجب أن يكون لديه رحمة، أن يكون لديه معرفة كيف يربي الأمة، كيف يبني الأمة، كيف يطور حياتها، كيف ينمي اقتصادها، كيف يزكي أنفسها، كيف يواجه أعداءها، أشياء واسعة جداً، جداً.

هذه الجوانب الهامة جداً هي الجوانب التي يحتاج إليها الناس، وهذه هي الجوانب التي لا يمكن لأي أحد من الناس أن يعملها، ويقوم بها حتى ولو كان مخلصاً. أما الجانب الآخر الذي يسمونه السلطة التنفيذية فبإمكان أي شخص يفوز بانتخابات، أو بانقلاب عسكري، أو عن طريق وراثة، أو بأي طريقة كان وصوله إلى الحكم، سيمارس الحكم، ويجلس ولو أربعين سنة، ولكن هل تجد له أثراً في تربية الأمة، رعايتها، تنشئتها، بناءها بناء صحيحا، لا تجد إلا العكس.

انظر إلى ولاية الله سبحانه وتعالى لأمر عباده، واعرف أن ولايته هنا عن طريق رسوله، أو الذين آمنوا، إنما هي امتداد لولايته، ويجب إذا لم تكن على هذا النحو، فليست امتداداً لولايته، إذا لم يكن من يلي أمر الأمة يتعامل مع الناس بالشكل الذي يلمسه من خلال مظاهر ملك الله، مظاهر ولاية الله سبحانه وتعالى على عباده، معنى هذا ماذا؟ أنه لا يعتبر امتداداً لولاية الله أبداً، هو مفصول عن الله، وسيترك آثاراً سيئة في نفوس الناس، وفي واقع الحياة.
فهذا هو مفهوم الولاية في الإسلام، وهذه هي مهام الولاية في الإسلام، ليست فقط سلطة تنفيذية، سلطة أوامر ونواهي جافة، وتجبر وتسلط وقهر، وأشياء من هذه.

أولئك الذين جعلوها جائزة، فمن قفز على كتف، وعلى كاهل هذه الأمة تجب طاعته، وإن قصم ظهرها، وإن نهب أموالها، وإن داسها، تجب طاعته! فهذا ناتج عن قصور في فهم ولاية الأمر ما هي؟ ما هي مهمات من يلي أمر الأمة .. وصل الحال بهؤلاء أن قالوا في الأخير هي: [رئاسة عامة] يجيش جيوشاً، ويعين ولاة، ويعزل ولاة، ويقيم حدودًا، ويستلم زكاة، وانتهى الموضوع .

القضية أوسع من هذا بكثير، وإذا لم نفهم المسألة على هذا النحو، معنى هذا أننا جاهلون فعلاً بالله، وجاهلون بمثل هذه الآية نفسها: ‭‬إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ‭‬ وليكم، أليست بعبارة مفردة ‭‬الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ‭‬ أي بالتأكيد أن ولاية رسوله وولاية الذين آمنوا ـ الذي هو الإمام علي ومن كان كمثل الإمام علي ـ تعتبر امتداداً لولاية الله، هنا ستعرف أهمية ولاية الأمر في الإسلام بالنسبة للأمة، وأهميتها بالنسبة للدين، وأهميتها بالنسبة لإقامة الدين.

ليست القضية هل يجوز أن يكون من هؤلاء، أو هل يجوز أن يكون بشورى، أو يكون بانتخابات، أو أن يقفز بانقلاب عسكري، أو بأي طريقة كانت، ليست القضية حول هذا، هل يكون واحدًا، أو عشرة، أو عشرين .. إن الإسلام لديه رؤية ـ إذا صحت العبارة ـ  أن يحكم الأمة بكلها، البشر بكلهم؛ لذلك قدم رؤية أرقى رؤية لحكم العالم بكله فضلا عن إقليم من الأقاليم .

الإمام علي الرجل الكامل بعد رسول الله

لقد كان علي (عليه السلام) بما حظي به من تأهيل إلهي وتربية نبوية, وإيمان صادق وشخصية فذة ومؤهلات فريدة ومواقف شجاعة وتضحيات سطر بها تاريخ الأمة الإسلامية كل هذه وغيرها من الأمور جعلت الإمام علياً (عليه السلام) المؤهل الوحيد لوصاية رسول رب العالمين وخلافة المسلمين وإمرة المؤمنين.

وقد انطوى القرآن الكريم وأقوال النبي ( صلوات الله عليه وعلى آله) على كثير من النصوص والروايات التي تنطق كلها بتنصيب الإمام علي أميراً للمؤمنين ووصياً لرسول رب العالمين باعتباره الرجل الكامل والمؤهل لهذه المهمة وتوجب على الناس سلوك سبيله وتوليه وتقدم توليه بأنه امتداد لتولي الله ورسوله.

يقول الله سبحانه وتعالى:‭‬إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ‭‬ هذه الآية المباركة المشهور فيها أنها نزلت في الإمام علي (عليه السلام) عندما تصدق بخاتمه وهو راكع بعد أن دخل فقير يسأل ولم يعطه أحد فأشر إليه الإمام علي بخاتمه ليأخذه .

قضية الخاتم أليست تبدو قضية بسيطة؟ لكن ماذا يدل عليه هذا العمل؟ يدل على نفسية ثانية، نفسية تهتم بالناس، أليس هذا مؤشراً مهماً؟ نفسية رحيمة، ونفسية تهتم بالناس، وليس ممن يهتم كيف يأخذ أموال الناس، يهتم بالناس، فأعطاه الخاتم.

والآية هي نفسها تشهد، وتدل على أنها نزلت في قضية خاصة، تأمل الآية نفسها: ‭‬يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ‭‬ لا يمكن أن نفسر راكعون بمعنى: مصلون، إذ كيف يمكن يقيمون الصلاة وهم مصلون، ويؤتون الزكاة وهم مصلون، هذا لا يصح في التعبير العادي فضلاً عن القرآن الذي أحكمت آياته، ولم يأت فيما نعرف كلمة: راكعون بمعنى: خاضعون، يأتي بكلمة: ساجد ، ساجدين، أو قانتين، هذا الذي نعرفه من خلال القرآن.

فالآية نفسها هي فعلاً تدل على أنها نزلت في قضية، في واقعة خاصة، لشخص خاص، في بداية نزولها، وما تزال، ولنعرف مثلاً أنه لماذا تأتي مثل هذه الآية في سياق الحديث عن بني إسرائيل! ثم يظهر من خلال الواقع: أن الأمة بحاجة إلى تولي الله ورسوله، وتولي المؤمنين في المقدمة الإمام علي من بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) .

هذه القضية لا بد منها حتى تهتدي الأمة بالقرآن، وحتى تكون بعيدة جداً عن أي محاولة قد تكون بها قريبة من تولي اليهود والنصارى، وحتى تكون بشكل آخر على مستوى عال، تعتبر حزب الله، وحزب الله كما قال:‭‬هُمُ الْغَالِبُونَ‭‬ كما قال بعد في آخر الآية أنهم هم الغالبون؛ لأن ولاية الإمام علي قضية لا بد منها في تحقيق الغلبة والنصر.

وهذا هو ما أشار إليه الإمام الهادي (عليه السلام) فهو يقول أن ولاية الإمام علي ( عليه السلام) هي قضية واجبة على المسلمين .. قد تكون القضية مختصة بالإمام علي أساساً، قد يكون بعده أئمة متأخرين قد لا تكون تعرفهم، قد لا تكون مسئولاً أمام الله بأنك لماذا لم تعرفهم، وتتولاهم بالتحديد، الإنسان يتولى المؤمنين بشكل عام، بشكل عام يتولى أولياء الله، ويدين الله بولايته لأوليائه، وحبه لأوليائه، لكن الإمام علياً هنا يشكل ضمانة، ويشكل نموذجاً لمن بعده، قدم كنموذج لكيف يجب أن تكون ولاية الأمة من بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) إلى نهاية التاريخ .

يقول السيد محمد حسين فضل الله: عندما يتصدّق علي بخاتمه وهو يصلي تدلنا نحن على جدارته العظيمة بأن يقود الأمة؛ لأنه هو من يهتم بها، من يؤلمه فقير واحد منها فلا ينصرف وهو في مقام التوجه نحو الله سبحانه وتعالى, لا ينصرف بعيداً عن ذلك الفقير بل تهمه قضيته ويعالج مشكلته كفقير يسأل فيتصدق بخاتمه وهو يصلي، هذا هو من يهمه أمر الأمة، هذا من هو حريص على الأمة ورحيم بها حريص عليها وشفيق بها، هذا هو الجدير بأن يتزعم الأمة ويقودها.

يوم الولاية (يوم الغدير)

ظل النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) طوال حياته يعمل على تأهيل الإمام علي (عليه السلام) ليواصل مسيرة الرسالة من بعده وأثبت الإمام علي (عليه السلام) بمواقفه العظيمة أهليته لهذه المهمة وعرف لدى الجميع بأنه أكمل إنسان بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) وأنه الأجدر لحمل هذه المسئولية .

وفي يوم الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة من الهجرة تم تنصيبه لهذا المقام العظيم وبطريقة رسمية وعلى رؤوس الأشهاد, فبعد عودة الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) من حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة ومعه عشرات الآلاف من جموع المسلمين يتوقف الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) في وادي [خُم] – وهي منطقة بين مكة والمدينة وأقرب ما تكون إلى مكة - بعد أن نزل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ‭‬يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ‭‬ (المائدة:67) .

مع هذه التوجيهات الصارمة التي وردت في الآية الكريمة تسمر النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) في مكان نزولها ولم يستجز أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام وبادر إلى وضع الترتيبات اللازمة والمناسبة لإعلان هذا الأمر الإلهي ولاية الإمام علي ( عليه السلام) ببيان كامل وبوضوح تام بما يتناسب ولهجة هذه الآية وبما يليق بهذا الحدث المهم الذي سيكمل الله به دينه لعباده ويتم به نعمته عليهم.  

هذه الآية المشهور فيما يتعلق بها أنها نزلت في شأن ولاية الإمام علي ( عليه السلام) في [يوم الغدير] كما روى الإمام الهادي (عليه السلام) ويذكر ( سلام الله عليه) أن الرسول ( صلوات الله عليه وعلى آله) لم يستجز أن يتقدم خطوة واحدة على موقع نزولها؛ لأن عبارتها هنا عبارة هامة، عبارة قوية: ‭‬يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ‭‬ إن لم تبلغ ما أنزل إليك من ربك -قضية معينة - فكأنك لم تعمل شيئاً، فكأنك لم تبلغ شيئاً، أليس هذا يدل على أنها قضية هامة جداً؟.

الآية هذه نفسها توضح لنا ما هي القضية؟ القرآن كتاب أحكمت آياته، من نفس الآيات تعرف أنها قضية لن تكون إلا القضية التي عادة الناس يتنافسون فيها، وتتطلع إليها نفوس الكثير ممن يعشقون السلطة, قضية ولاية الأمر.
الرسول ( صلوات الله عليه وعلى آله) قد بلّغ التوحيد، أليس التوحيد لله أكبر قضية؟ بلّغه، إذًا بالتأكيد ليست هذه قضية التوحيد.

هنا: ‭‬وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‭‬ ألم يقل: والله يعصمك من الناس؟ ‭‬إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‭‬. بلغ الصلاة، هل ما يزال يحتاج بالنسبة لتبليغ الصلاة إلى عبارات كهذه؟ بلغ الصيام، بلغ الزكاة، الحج، الجهاد، المواريث، الأحكام المتعددة في مختلف القضايا بلغها .

إذًا ما هي القضية المهمة التي يبدو وكأن الرسالة بكلها مرتبطة بها؟ يعني: إذا لم تكن قائمة فإن الرسالة هذه بكلها لا فاعلية لها، تفرغ من مضمونها، أن الرسالة بكلها تفرغ من مضمونها.

عندما يقول: ‭‬وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ‭‬ أليس هنا فكأنك لم تبلغ؟ أي: معناه أن ما بلغته يفرغ من معناه فكأنه لا معنى له، هذا يعني: أن ولاية أمر الأمة ـ على أساس القرآن الكريم ـ تشكل ضمانة أساسية لمسيرة الدين، واستقامة الدين، استقامة الدين، واستقامة الحياة بكلها.

ما هي القضية الخطيرة التي نرى بأن الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) بحاجة إلى أن يقال له: ‭‬وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‭‬ بلغ التوحيد وفي ظروف قاسية، وكان يحتاج في نفس الوقت إلى حراسة وهو في مكة، وهو أيضاً في المدينة كان يحتاج إلى حراسة، بلغ كل الأشياء، لا نعلم بأن هناك قضية يبدو أنه كان يتخوف من تبليغها، أو قضية قد يرى بأنها حساسة أن تبلغ على نحو حاسم تماماً يعني: يقفل المجالات تماما أمام كل من يفكر، ويتطلع للاستيلاء على السلطة، على الخلافة من بعده.

في هذه المرحلة هل كان هناك كافرون يخشاهم؟ هو لم يخشاهم وهو بينهم في مكة، لم يكن يخشاهم وهو في بداية مرحلة المدينة.

نزول [سورة المائدة] كان في وقت قد أسلمت الجزيرة هذه، بعد الفتح، أسلمت اليمن، وأسلمت الجزيرة، وخصوصاً المنطقة هذه، أين هم الكافرون الذين قال بأنه: ‭‬إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ‭‬ هل يمكن من النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) أن يتخوف عن تبليغ شيء خوفا من الكافرين؟ واضح ماذا قال في مكة عندما عرضت عليه قريش أشياء كثيرة، ألم يقل: (( لو وضعوا الشمس في يمني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه)) أليس هذا موقفا قوياً؟ ألم يتآمروا عليه في نفس الوقت؟ تآمروا عليه ‭‬وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ‭‬ (الأنفال من الآية: 30) .

إذًا هي في قضية ولاية الأمر بالتأكيد؛ لأن القضية حساسة، وتجلى من بعد موته (صلوات الله عليه وعلى آله) أليست هي التي تجلى فيها التلاعب، حصل أخذ ورد واجتماعات، وخلاف وشقاق، وأشياء من هذه، لم يختلفوا على صلاة، ولا على توحيد، ولا على زكاة، ولا حج، ولا شيء، الم يكن أول ما اختلفوا عليه هذه القضية, قضية الولاية؟.

أن يقال للرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) أن يبلغها على هذا النحو أليس هذا يدل أن القضية بالغة الأهمية، أنها قضية بالغة الأهمية، وأنه إذا لم يبلغ، ويعلن - فيكون الناس جميعاً على معرفة بها, يبلِّغ في الحج قبل أن يفترق الناس إلى بلدانهم - فكأنه فرغ هذه الرسالة من محتواها، ولم يبق للدين معناه، ولن يكون لهذا الدين أثره في الحياة إذا لم تبلغ هذه.

قد يكون الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) فعلاً هو يعلم بالقضية، وعمل في البداية أشياء كثيرة تبين للناس أن الإمام علياً هو الشخص الذي يؤهله من بعده، لم يكن يؤمر عليه أحداً، أحاديث كان يقولها مرة هنا ومرة هنا بالنسبة للإمام علي، لكن بقي الإعلان النهائي بشكل صريح على الأمة.

ربما كان يفكر ما هو الأسلوب الأنسب؟ كيف يعمل، وأشياء من هذه .. ليس إلى درجة أن يضعف، هو إنسان قوي، وإنسان لا يخشى أحداً إلا الله، لكن أحيانا قد يكون هو يتخوف من أشياء, فكيف تكون الطريقة المناسبة التي يمكن أن يبلغ الناس بها، ويفهموا ولا يكون هناك أي احتمالات أخرى.

وهنا يأتي البلاغ من جهة الله سبحانه وتعالى بهذه العبارة الهامة: أن عليك أن تبلغ ‭‬وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‭‬ أليس هذا يوحي بأنه كان بالإمكان أن يتعرض لاغتيال، أو لاعتداء فعلا؟ من أين؟ من الكافرين أو من أين؟ من داخل! ‭‬إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ‭‬ الرافضين لما تبلغه، الرافضين لهذه القضية، لن يهتدوا إلى أن يضروك، لن يهتدوا.. وفعلاً لم يهتدوا، لم يتوفقوا.

إن قلنا أن الكافرين معناها: المشركين، فلا يوجد هناك مشركون في تلك الفترة، لا يوجد أحد، قد أسلموا كلهم.

فرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) بلغها على أكمل صورة لأنه كان إنساناً حكيماً يفهم القضية، وكيف يجب أن يتعامل معها بما يليق بأهميتها، وهي القضية الهامة جداً، والواسعة جداً.

لاحظ كيف بلغ هذه القضية على أعلى مستوى، ألم يبلغها على أعلى مستوى؟ أوقف الناس جميعاً، ومن تقدموا أرسل إليهم أن يرجعوا، وانتظر للمتأخرين، وفي وقت حرارة الشمس، حتى لا يقول أحد بأنه لم يره؛ لأن هناك ضباب أو نحوه، شمس حارقة إلى درجة أنه قال أحد الرواة : [وإن أحدنا ليضع رداءه تحت قدميه وفوق رأسه من حرارة الشمس وحرارة الرمضاء].

على ماذا يدل على هذا؟ أليس ذلك يدل على أنها قضية هامة سيبلغهم بها، عندما يوقفهم هنا في هذا المكان الذي لا يوجد فيه شجرة أو حجر، حتى لا يقولون: أنهم لم يروا النبي، فقط هناك سمرات ثلاث هي التي وقف تحتها, شجر [طَلْح] أو [قَرَض] .  

أعلن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لمن تقدم أن يعودوا, وانتظر في ذلك المكان حتى تكامل الجمع، وبعد ذلك رُصَّتْ له أقْتاب الإبل ليصْعَدَ عالياً فوقها؛ لتراه تلك الأمة - إن كان ينفعها ذلك - لتراه, لتشاهده, وهي تعرفه بشخصه، لترى علياً ويد رسول الله رافعة ليده, وهي تعرف شخص [علي]، ومن فوق تلك الأقتاب يعلن موضوعاً هاماً، يعلن قضية هامة هي قضية ولاية أمر هذه الأمة من بعده (صلوات الله عليه وعلى آله).

عندما صعد وبعد أن رفع يد علي (عليه السلام) خطب خطبة عظيمة إلى أن وصل إلى الموضوع المقصود فقال: ((يا أيها الناس إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه، اللهم وَالِ من وَالاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخْذُل من خَذَله)).

تسلسل هذا الحديث ينسجم انسجاماً كاملاً, الترتيبات التي أعلن فيها الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) هذا الموضوع تنسجم انسجاماً كاملاً مع لهجة تلك الآية الساخنة التي نزلت على النبي ( صلوات الله عليه وعلى آله):‭‬يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ‭‬ (المائدة:67). موضوع هام بالغ الأهمية، قضية خطيرة بالغة الخطورة، ورسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) يعرف ويقدر كل موضوع حق قدْره، ويعطي كل قضية أهميتها اللائقة بها.

يخاطب الناس: ((يا أيها الناس إن الله مولاي)) وهذه هي سنة الأنبياء، وخاصة مع تلك الأمم التي لا تسمع ولا تَعِي, فقد قال نبي من أنبياء الله من بني إسرائيل عندما سأله قومه أن يبعث لهم مَلِكاً يقاتلون معه وتحت رايته في سبيل الله، ماذا قال؟ ‭‬إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً‭‬(البقرة: من الآية247) وهاهنا بنفس الأداء ((إن الله مولاي)) تساوي ‭‬إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً‭‬(البقرة: من الآية247).

ليقول للأمة: إني وأنا أبلغ عندما أقول لكم: ((فمن كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه)) إنما أبلغ عن الله، ذلك أمر الله، ذلك قضاء الله، ذلك اختيار الله، ذلك فرض الله، وذلك إكمال الله لدينه، وذلك أيضاً مظهرٌ من مظاهر رحمة الله بعباده.
((إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين أولى بهم من أنفسهم)) هكذا من عند الله إلى عند رسوله (صلوات الله عليه وعلى آله)، ولاية ممتدة، ولاية متدرِّجة لا ينفصل بعضها عن بعض.

ثم يقول: ((فمن كنتُ مولاه)) أليس كل مؤمن فينا يعتقد ويؤمن بأن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) هو مولاه؟ إن كل مسلم - وليس فقط الشيعة - كل مسلم يعتقد ويؤمن بأن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) هو مولاه. إذاً ((فمن كنتُ مولاه)) أيّ مسلم، أي أمة، أيّ شخص، أيّ حزب، أيّ طائفة، أيّ فئة, أي جنس من هؤلاء من هذه البشرية كلها يدين بولايتي، يدين أني أنا مولى المؤمنين ((فهذا عليٌ مولاه)) ((اللهم وَالِ من وَالاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخْذُل من خَذَله)).

وهكذا قدمت هذه القضية المهمة للأمة بهذا الوضوح الذي لم تشهده أي قضية أخرى بدءا بلهجة الآية ومروراً بالترتيبات التي قدمها النبي ( صلوات الله عليه وعلى آله) والتي تبين للأمة عظم هذه المسئولية وخطورة التفريط فيها.

وإن مما يدل على أنه كان هناك تآمر حول هذه القضية أنه وعلى الرغم من حدة لهجة هذه الآية ـ إذا صحت العبارة ـ والاهتمام الكبير من جانب الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) في تبليغ ولاية الإمام علي والترتيبات التي عملها ( صلوات الله عليه وعلى آله) تآمروا من جديد، وشاققوا، وفعلاً ركزوا شخصاً آخر، أليس هذا الذي حصل؟.

لكن ما الذي بقي أن نفهم نحن، إذا لم نفهم أهمية ولاية الأمر في الإسلام فسنقول في الأخير: ليس هناك مشكلة أن يصعد أي شخص ثم لا تدري في الأخير وإذا بك تحت سلطة يهودي أو نصراني بعد أن قد هيئوك لتقبل أي شخص يحكم هذه الأمة.

أهمية ولاية الأمر في الإسلام أنها تشكل ضمانة لاستقامة الدين، وحيوية الدين، متى ما كان الدين قائماً، والدين حياً، تكون الأمة قائمة وحية، الأمة مربوطة بهذا الدين. إذًا فهي قضية هامة جداً، ليست قضية بسيطة يمكن التهاون بها, إذا لم تكن قائمة تستغل الكثير من تشريعات الدين استغلالاً سيئاً بما فيها المساجد، بما فيها الصلاة، بما فيها منابر المساجد، بما فيها الحج، بما فيها الزكاة، بما فيها منطق القرآن، تقديم القرآن نفسه، فهي تشكل ضمانة ضرورية جدًا جدًا لاستقامة الدين.

ولاية الأمر تشكل ضمانة، ضمانة دائمة، استقامة للدين، فتصبح الصلاة لها فاعليتها، المساجد لها فاعليتها، منابرها لها فاعليتها، الحج له فاعليته، الزكاة لها فاعليتها، القرآن له حيوته، وهكذا، إذا ما هناك شيء يموت الدين، وتموت الأمة.. لهذا نرى الأمة ميتة، سبعة وخمسين زعيماً، ومليار وأكثر من خمسمائة مليون مسلم كلهم ميتين.

حديث الولاية، وأحاديث أخرى متواترة عن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) هو الكفيل بتحصين هذه الأمة حتى لا تقبل ولا تخنع لأولئك الذين يريدون أن يفرضوا عليها ولاية أمرهم، وهم اليهود الأمريكيون والصهاينة.

الإمام علي في عهد الثلاثة

عندما غيب دور الإمام علي (عليه السلام) في عهد الخلفاء الثلاثة وغيب أيضاً دور أهل البيت من بعده غاب الإسلام المحمدي وظهر في الساحة إسلام قُدم على يدي أبي هريرة وكعب الأحبار وعلى يدي أبي بكر وعمر, ومن بعدهم بني أمية قُدم على هذا النحو الذي ضرب الأمة كلها.

أبرز مثال لدينا على تقديم إسلام غير الإسلام الحقيقي هو تغييب دور الإمام علي, ألم يغب الإمام علي (عليه السلام) عن الساحة حوالي خمسة وعشرين سنة؟ من بعد موت الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله), وعلي مع القرآن, والقرآن مع علي! ودائماً دائماً هذا التقارن, متى ما غاب أهل البيت اعتبر أيضاً القرآن غائباً في واقعه عن الأمة, وإذا ما غاب القرآن عن الأمة أيضاً فاعرف أن أهل البيت أيضاً غائبين؛ لأنهم مقترنين مع بعض. فإن كان لأهل البيت وجود فستلمس القرآن موجوداً, وحيَّاً.

فعلي الذي قال فيه الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله): ((علي مع القرآن والقرآن مع علي)) يوم غُيِّب دور علي عرفنا وتأكدنا أن القرآن أيضاً غُيِّب دوره؛ لأن هذا هو ما تقتضيه المقارنة يوم قال: ((علي مع الحق والحق مع علي)).
عندما غُيب دور علي فعلاً قطعنا بأن الحق غاب في حياة الإمام علي هذه, في الصدر الأول, في تلك المرحلة التي يقولون عنها أنها خير القرون, وفي ظل خلافة الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان! ألم يغب دور علي؟.

هل بإمكانك أن تقول: إنما غاب شخص علي, وأن القرآن ما زال حياً, وأن الحق ما زال قائماً؟ إن الرسول سيكذبني لو قلت هكذا؛ لأنه قارن ((علي مع القرآن والقرآن مع علي)) ((علي مع الحق والحق مع علي)) فأنا رأيت بأم عيني, ورأت الأمة كلها أن علياً غُيِّب دوره خلال الثلاثة, خلال ما يقارب من الخمسة والعشرين عاماً, في ظل خلافة الخلفاء الثلاثة الأولين!.

وعندما يغيب القرآن في الخطوة الأولى سترى كيف سيغيب في بقية المراحل, إنزل إلى تحت, معاوية هل كان امتداداً لعلي, أم كان امتداداً لعثمان وعمر وأبي بكر؟ من كان امتداداً له؟ معاوية سيقول لك من هو امتداد له, هل كان معاوية يشيد بذكر علي أو يلعنه؟ كان يلعنه لكنه كان يشيد بذكر أبي بكر وعمر وعثمان, ويدفع بالآخرين إلى أن يثنوا عليهم, وأن يختلقوا الفضائل لهم.

إذاً هو امتداد لأولئك, أليس كذلك؟ ثم يزيد من بعده امتداد لمن؟ لمعاوية, ثم خلفاء الدولة الأموية, ثم خلفاء الدولة العباسية, ثم إلى الآن, إلى الآن. إذاً أليس أولئك الذين غيَّبوا القرآن وعلياً, فكان وراء غياب القرآن, والثقل الآخر, أهل البيت على طول مراحل تاريخ الأمة أليسوا أول من جنى جناية رهيبة على الأمة؟.

ثم ليست المسألة فقط مجرد أشخاص, أن تقول: أبو بكر وعمر, تحدثنا أكثر من مرة أن مجرد توليهما, مجرد توليهما يجعلك تقف ضد القرآن, في نقاط مهمة داخل القرآن هي ما تحتاجها الأمة إلى أن تقف على قدميها في مواجهة أعدائها, وتحظى بنصر الله, هي تلك النقاط؛ لأنك حينئذ لا تقبل أن تتولى أبا بكر وعمر, وتتولاهم فعلاً إلا وتسيِّر القرآن على النحو الذي لا يمسهم بسوء, ولا يتنافى مع مشاعرك نحوهم, أليس كذلك؟.

أوليس هذا ملموساً في التراث داخل هذه الأمة عند الآخرين؟ ملموس هذا, وهذا من الأشياء التي تشهد لنا نحن, عندما تجد أحاديث عظيمة جداً ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)) أليس هذا حديثاً عظيماً, وكبيراً؟ تراهم كيف يجعلونه كلاماً عادياً, لا يعني شيئاً!.

من أجل من عملوا هذا؟ من أجل أبي بكر وعمر, ماذا يعني هذا؟ يعني: أن توليك لهم غير منسجم مع ما يصدر من الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) ومع ما داخل القرآن الكريم في قضايا كثيرة جداً, وأنت تشهد أيضاً, وأنت تحاول أن تجعل ذلك الكلام باهتاً من قبل الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) مثل حديث: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) أليس هذا حديثاً كبيراً أيضاً؟ وهي كلها أحاديث صحيحة ومشهورة في أوساط الأمة.

لكن تعال إلى أولياء أبي بكر وعمر كيف سيجعلونها باهتة, ثم ارجع إلى القرآن تجد أيضاً أشياء كثيرة يجعلونها باهتة, حتى ما تراه أنت من كلام يكشف لك واقع ذلك المجتمع الذي كان الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) يعيش فيه, وكيف كان تحركهم معه, وكيف كانت نظرتهم إليه, تجد أيضاً منطق هؤلاء بالشكل الذي يجعلون كل ذلك, كل تلك الحقائق مجرد عتاب لطيف رقيق لا يعني شيئاً, ولا يراد من ورائه كشف شيء. ألم يعطلوا دور القرآن ككتاب هداية؟ وعطلوا دور الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) كنبي يهدي بهدي القرآن الكريم.

إذاً فالسني نفسه يجب عليه أن ينظر, أن يرجع إلى نفسه أنه هل الدين على هذا النحو: يلزمني بتولي شخص, فإذا ما توليته أراني متعارضاً مع القرآن الكريم, ومتعارضاً مع نصوص للرسول (صلوات الله عليه وعلى آله), أليس هذا اختلافاً وتناقضاً؟.

أسباب انحراف الأمة بعد رسول الله

قبل أن نتحدث عن الأسباب التي جعلت الأمة تفارق عليا نتساءل أولاً: هل يمكن لمثل رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) الذي وصف الله حرصه على أمته بقوله: ‭‬لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‭‬(التوبة128) هل يمكن للنبي الذي قال الله عنه ‭‬فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً‭‬(الكهف6) أن يترك هذه الأمة دون أن يرشدها إلى ما يشكل لها صمام أمان؟.

ونحن عندما نعود إلى القرآن نجد في قصة نبي الله موسى ما يوضح المسألة لنا عندما قال الله: ‭‬وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ‭‬ (الأعراف:142) وهي فترة قصيرة، فترة ثلاثين ليلة زايد عشر، أربعين ليلة.

لاحظ كيف نظرة الأنبياء إلى أممهم، هو يعرف بأنه لن يغيب عنهم إلا ثلاثين ليلة أو أربعين ليلة على الأكثر، يلاحظ من هو أرقى شخص، وأكمل شخص فيهم ليعينه بعده، ‭‬اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ‭‬ مع أنه قد انتقى أعلى شخص فيهم، وأيضاً يوجهه بالتوجيهات الهامة، أن تصلح، وأن لا تصغي للمفسدين.

فهل يمكن لمثل رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) أن يترك هذه الأمة عندما يموت ثم لا يرشدها إلى من تتبع، وموسى هنا لغياب ثلاثين ليلة، يعين بعده من يخلفه، لا يمكن من يعرف أنبياء الله أن يقبل هذه القضية، فيقول: إنه ترك الأمة، ولم يعد له حريصاً عليها؛ لأن الأنبياء - عادة - أناس مهتمون جداً بالبشر، مهتمون جداً بأممهم، رحماء جداً بأممهم، يفهمون الأمور جيداً وما ستؤول إليه حالهم عندما يتركهم بدون أن يقدم لهم الحلول وبالذات حول من يلي أمرهم من بعده.

ألا يفهم أي ملك من الملوك، ما بالك نبي من أنبياء الله بأنه إذا لم يعين أحداً من بعده بأنهم سيختلفون؟ هذه قضية معروفة، فكيف يتهمون أنبياء الله بأنهم هكذا: يغادر الواحد منهم الدنيا ولا يعيِّن أحداً، وهو يذكر هنا أنه لم يغادر نبي الله موسى للميعاد هذا إلا ويعين أخاه.

رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في أطول رحلة بعيدة عن مركز دولته، ومجتمعه، لم يسر إلى تبوك إلا وقد عين الإمام علياً بعده، لفترة قصيرة، وفي الأخير يقولون بعد: أنه مات ولم يوص أحداً، ولم يعين أحداً، ولم يعمل شيئاً، لكن أبا بكر لم يمت إلا وقد أوصى إلى عمر، أليس هذا يعتبر استهانة بالأنبياء، جهل كامل بالأنبياء أنهم ناس يهتمون جداً بالأمة، ورحماء بالأمة، ويعرفون الأمور، يعرفون المواضيع، يعرفون القضايا التي يمكن أن تؤدي إلى اختلاف فيما بين الناس.

لا أن يقدموا الأنبياء ( صلوات الله عليهم) وكأنهم كانوا يغادرون الدنيا دون أن يبالوا بأممهم، خاصة مثل رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) هو يعرف أنه رسول للعالمين، وآخر رسول للعالمين إلى آخر أيام الدنيا، أنه رسول للكل، فعلاً تجد أنه عمل في ذلك الزمن ما يبين للناس في هذا الزمن، ما له علاقة بالناس في هذا الزمن من بعد ألف وأربعمائة سنة.

ثم في الأخير نجد كثيراً من الأمة يؤمنون بهذا من أجل أبي بكر وعمر، [رسول الله لم يستخلف]! حتى لا يلزمهم.. لأنهم يعرفون أنه لم يستخلف أبا بكر، يفهمون بأنه لم يستخلف أبا بكر، لا أحد يدعي بأنه استخلف أبا بكر أبداً في ولاية أمر الأمة، فقط يقولون: إنهم في الأخير أجمعوا عليه، بايعوه، وأجمعوا عليه.

قلنا: لكن قولوا لنا الآن في موضوع النبي نفسه، النبي نفسه أنتم قدمتموه إنساناً لا يهتم بالأمة نهائياً، والله يقول له بعد أن يذكر له قصص الأنبياء السابقين: ‭‬أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ‭‬(الأنعام: من الآية90)، والرسول هو الذي نزلت عليه الآية هذه، وهذه الآية تبين بأنهم اختلفوا لغياب ثلاثين ليلة، على الرغم من أنه قد اختار شخصاً على أعلى مستوى فيهم، رسول الله ألا يمكن أن يفهم هذه؟ والله يقول له:‭‬أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ‭‬ وهكذا يقدم الأنبياء أغبياء، ويقدم أبو بكر بأنه أذكى من أعظم نبي منهم.

هذه تعتبر قضية سخيفة جداً، سواء تقولون: بايعوه من بعد، أجمعوا عليه، أو لم يجمعوا، المهم أن أكبر جريمة ارتكبتموها أن تقولوا: بأن النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) غادر هذه الحياة ولم يستخلف أحداً.

كان الأجمل لكم أن تقولوا: أنه استخلف أبا بكر، كان أجمل لهم أن يقولوا: أنه استخلفه، وأنه أعلن ولايته، كان ما يزال في هذا حفاظاً على مقام النبي (صلوات الله عليه وعلى آله)، لكن لا يوجد مثل هذا، حريصون جداً على موضوع خلافة أبي بكر، أنها تستقيم، ويضفون عليها شرعية، ولو أدوا برسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) إلى أن يكون مخالفاً لسنة الله في عباده، ومخالف لسنن أنبياء الله الذين أمره بأن يهتدي بهم، وكأنه لم يقرأ القرآن! قدموا النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) وهو الذي أنزل عليه القرآن وكأنه لا يعرف القرآن!.

أي واحد منا وهو يرى هنا أن الله يحكي عن موسى أنه لم يغادر قومه ثلاثين ليلة وعشر، أربعين ليلة إلا واستخلف أخاه، ألم يستخلف أخاه، ثم بعد أيضاً اختلفوا وقد استخلف أخاه، أليس أي إنسان منا سيعرف أن هذه الحالة محتملة أن تحصل عند البشر، أن يختلفوا إذا لم تعين لهم أحداً؟ بل قد يختلفون ولو قد عينت لهم، لكن عندما تكون قد عينت لهم يعتبر ماذا؟ يعتبر تقصير من جانبهم.

الأمة الإسلامية بين خيارين

ولاية الله ورسوله والإمام علي بن أبي طالب هي فعلاً عندما تملأ القلب ستملأه إيماناً واعياً، ستحصن القلب من أن ينفذ إليه أي ذرة من ولاء لليهود والنصارى أو لأولياء اليهود والنصارى، ستحصن الإنسان نفسه، من يحمل هذا القلب من أن يصبح مرتداً عن دينه، ستحصنه أيضاً من أن يصبح طائعاً لأهل الكتاب، لفريق من أهل الكتاب، كما في الآية الأخرى في سورة [آل عمران]، فيرتد بعد إيمانه كافراً.

إذاً هي مهمة جداً، مهمة جداً في المقامين: في مقام الحفاظ على نفسي بعيداً عن هذه الخطورة العظيمة، وفي مقام تأهيل نفسي لضرب مصدر ذلك الخطر العظيم.

لن ترفع الأمة رأسها حتى ترفع يد رسول الله ويد علي

هل تعتقد أن التولي قضية سهلة؟. القرآن الكريم خاطب اليهود الذين كانوا في زمن الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) وهم من لم يقتلوا الأنبياء السابقين، هم أنفسهم الموجودون لم يعيشوا فترات طويلة حتى يكونوا هم ممن شارك في قتل الأنبياء السابقين، خاطبهم القرآن على أنهم يقتلون الأنبياء بغير حق ‭‬قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‭‬(البقرة: من الآية91) ألم يخاطبهم هكذا؟.

لماذا أصبح هؤلاء الذين عاشوا في زمن الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) يخاطبون بأنهم قتلوا الأنبياء؟. وكم بين ذلك اليهودي الذي في زمن الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) في زمن تنزل القرآن وبين أولئك اليهود السابقين قبل مئات السنين الذين قتلوا الأنبياء؟ ما الفارق مئات السنين؟. فما الذي جعله أن يخاطَب بأنه قَتل, قتل؟ لأنه تولى أولئك عدّهم السلف الصالح له، فتولاهم. فأصبح حكمه حكمهم فقيل له: أنت قاتل.

وهكذا من يهتفون الآن بأنهم يتولون السلف الصالح ممن قتل عليا وفاطمة والحسن والحسين، فاطمة نفسها قُتلت كَمَداً، قُتلت كمداً وقهراً وهي ترى هذا الدين يُعصف به من أول يوم بعد وفاة والدها رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) .  

فعندما يأتي عمر وهو رجل بتلك الأعمال: تنصيب أبي بكر، ثم تنصيب عثمان من بعد، هو كله عمل عمر، هو الذي قال لأبي بكر أمدد يدك أبايعك، ولم يمد يده ليبايع تلك اليد التي رفعها رسول الله في [يوم الغدير]، يد علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين عندما رفع رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) يده في يوم الغدير وقال: ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه)) ولم تكن الأمة من بعد، ولا أولئك الصحابة أنفسهم، لم يكونوا بمستوى حمل المسئولية، هم من بدءوا يفرطون، عندما يلتفون حول اليد التي مدها عمر، ولم يلتفوا حول اليد التي رفعها رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله).

من الأولى - إن كانوا يؤمنون بالله وبرسوله (صلوات الله عليه وعلى آله) إيماناً واعياً - أن يلتفوا بحول يد مدها عمر [امدد يدك أبايعك] أو حول يد رفعها رسول الله على نحو من مائة ألف من المسلمين يرونه جميعاً ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه))؟.

يتحرك الدعاة الآن ليلفوا الناس حول تلك اليد التي مَدت، والتي طلبت أن تُمَد، يد أبي بكر وعمر، عمر هو الذي قال: أمدد يدك، وأبو بكر هو الذي مد يديه، يدين،كم الفرق بينهما؟ بين يد رسول الله، ويد علي بن أبي طالب، يد تَرفَع، ويد تُرفَع؟ ويعملون جاهدين أولئك الدعاة على أن تهبط هذه الأيدي، وتكسر هذه السواعد، ولترفع تلك اليدين، [أمدد يدك أبايعك] يد أبي بكر، وعمر، أليس هذا هو ما يعملون له؟.

إذاً فالتفريط ما يزال قائماً، التخلي عن المسئولية، الابتعاد عن أن يكونوا بمستوى المسئولية ما يزال قائماً، تلك الـيد التي فرطت هـي نفسها التي ما تزال تقدَّس، وتقبَّل، وتلك الـيد التي رَفعت، وتشير إلى رفعة الأمة - إذا هي التفت إلى حول هذه اليد المرفوعة - هي التي يعمل الدعاة على أن تكون هي اليد التي تُكسر! فما الذي حصل؟ كسروا أنفسهم، وحنوها، وحنوا رقابهم بمقدار ما حنوا من يد رسول الله، ويد الإمام علي بن أبي طالب.

‭‬وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ‭‬ نحن نقول: الإيمان الواعي بالله هو الأساس، هو الأصل، المعرفة الواعية الصحيحة بالله سبحانه وتعالى هي التي تجعلك تعرف كل شيء بمستواه من الأهمية، وعلى ما هو عليه من الأهمية.

متى سترتفع هذه الأمة؟ عندما تعمل على رفع يد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، ورفع يد علي من جديد، وإلا ستظل ممددة ما دامت تعمل حول: [أمدد يدك أمدد الأمة من بعدي]، أليست هكذا؟ أمدد يدك نمدد الأمة أنا وأنت من بعدنا، وهذا الذي حصل فعلاً، ما هي إلا فترة من الزمن قصيرة وإذا بجيش يزيد بن معاوية يدخل المدينة فيستبيحها، ويرتكب ذلك الجيش أفضع الجرائم داخل بيوت هؤلاء الذين مددوا أيديهم، فمددوا عرضهم، ومددوا عزتهم، وكرامتهم، ومددوا الأمة من بعدهم.

وما يزال هناك إلى الآن العديد من المراكز الإسلامية تعمل، كتَّاب يعملون، صحفيون يعملون، وكل من حاول أن يلفت نظره لفتة اهتمام بهذه الأمة، إنما يتحرك في إطار كيف نسير على سيرة السلف الصالح، ذلك الذي مدد الأمة من أول ما مد يده.

رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في كل حركة من حركاته يعطي مؤشر هداية للأمة، عندما يرفع يده ويد علي ماذا يعني؟ رفعة الأمة، فوق أقتاب الإبل، ألم تجمع له أقتاب الإبل؟ أنتم يا رعاة الإبل يمكن أن تكونوا أرفع أمة إذا رفعتم هاتين اليدين، ألم يكن العرب هم رعاة الإبل؟ هم رجال الصحراء؟ وكان الإجتماع للغدير في الصحراء، ومن فوق أقتاب الإبل ترفع يد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) ويد علي، وكأنه يقول: أنتم يا أبنا الصحراء، ويا رعاة الإبل، يمكن إذا رفعتم هاتين اليدين أن ترفعوا، وتكونوا أنتم من يرفع لواء الله، وكلمة الله في الأرض، ومن تكن لكم السيادة على الأمم، لكنهم تخلوا عنها فأصبحوا حتى ولا رعاة إبل، أصبحوا حتى لا يحملون ذلك الإباء الذي كان يحمله البدوي الذي يرعى الإبل.

لم يعودوا يحملون تلك الشهامة، وتلك النفوس الرفيعة التي كان يحملها البدوي الذي كان يرعى الإبل! فكان يأبى أن يخضع لكسرى، أو لقيصر، وكان يأبى أن يظلم أبسط الظلم، هبطوا، هبطوا حتى أصبحوا من يصفقون للظالم، من يؤيدون الظالم، من يعنفون من يرفع رأسه بإباء وشرف!.

فالمسئولية كبيرة، ضياع، ضياع ما هو شرف لك، شرف لك في الدنيا وفي الآخرة، ومن شرفك به هو الله، سوف تسأل عنه يوم القيامة بين يدي الله ‭‬وَسَوْفَ تُسْأَلونَ‭‬، لم يهتموا بهذا! شرفهم بأن اختار لهم قائداً، يؤمنون، ويسلِّمون بأنه أعظم فارس، ومقاتل، وأنه أكملهم بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، علي بن أبي طالب، فلم يلتفتوا إلى هذا، أختار لهم أهل بيته ليكونوا قرناء مع كتاب الله، فيكونون هم من تلتف حولهم الأمة، فرفضوا هذا، وبحثوا عن قدوات من هنا وهناك، من بخارى، ونيسابور، وطبرستان، وجرجان، وغيرها من المناطق الأخرى، حتى لم يعودوا يبحثون عن قدوات من العرب! البخاري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، من أين هم؟ من هناك، أعاجم! وابن جرير، والرازي، وفلان، وفلان، من أين هم؟.

العرب أنفسهم، من اختير لهم قدوة نبي من أنفسهم، وقائد من أنفسهم، وهداة وأعلام من أنفسهم، وكتاب بلغتهم، يرفضون هذا، ويرفعون عليه كتاب البخاري! أين كتب كتاب البخاري؟ ومن هو كاتب الكتاب هذا؟

أليس البخاري لديهم وهم يقولون أنه الكتاب الأول بعد القرآن؟ وعملياً يقولون: [السنة حاكمة على القرآن]، حاكمة على القرآن، وأعظم كتاب لديهم في السنة هو البخاري لاحظ كيف يستبدلون هم لأنفسهم! ‭‬أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا..‭‬(البقرة: من الآية61) اهبطوا بكل ما تعنيه الكلمة.
المشاهدات: 160

التعليقات (0)


إظهار/إخفاء التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy